منتديات سكيكدة (منتدى سكيكدة الأول )
[table style="WIDTH: 262px; HEIGHT: 139px" border=1 align=center]

[tr]
[td]
[/td][/tr][/table]للتسجيل أو الدخول يرجى الضغط على أدناه
يسرنــــــا أن تكون عضوا في بيتنا




 
الرئيسيةالبوابـــةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

توفيت والدة صاحب المنتدى نرجو  من جميع الزوار و الأعضاء الدعاء لها بالرحمة و المغفرة "" اللهم اغفر لها و ارحمها ""


شاطر | 
 

 أوقفني الورق، وقال لي: ل عبد القادر الحصني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohamed
مشرف منتدى الأدب العربي
مشرف منتدى الأدب العربي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 31
العمل/الترفيه : مرح
مدينتك : سكيكدة
نقاط التميز : 32
تاريخ التسجيل : 02/11/2008

مُساهمةموضوع: أوقفني الورق، وقال لي: ل عبد القادر الحصني   الثلاثاء ديسمبر 09, 2008 7:50 pm


.. حلمت بالشمس

الحياة أقوى



"يريدون ضمن الأبجدية حصـرنا
ونحن الحياتيين لا نعرف الحصرا".
بهذا البيت من الشعر للشاعر وصفي قرنفلي أفتتح معجباً بروحه المتمرِّد على المستقرِّ الساكن والشاطئ إلى القلق المضرِب المضطرِم المتجدِّد، منحيِّاً معنى قريباً أول؛ يرى إلى مشكلة بين الشاعر واللغة. فما اختار الشاعر الأبجديّة، هنا، محطاً لبرمه وضيقه إلا لأنها المنظومة الأمسُّ به كونها مادة شعر، فما بالك بغيرها مما هو أبعد؟
الأبجديَّة، إذاً، لم تكن مقصودةً لذاتها، بل كان مُعَبَّراً بها عن كلّ ما استقرّ، واستتبَّ، واعترى التعامل معه الحرفيّة والتقليد والجمودُ حتى ترسّب، وتكلُّس.
ولا أظنّ أن شاعرنا كانت تغرب عنه حكاية أبي العلاء المعرّي مع الطفل حين قال:
"وإنّي وإن كنت الأخيرَ زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ".
وعلى مثل هذا المحمل أحمل أيضاً قول وصفي قرنفلي:


أٍسعد الناسِ مهمِلٌ


مهمَلٌ، ماله أحدْ




أبيض النفس كالضحى


لم يلوِّثه معتقَدْ"

فالمهملُ المهمَلُ الأبيضُ، هنا، مُعَبَّرٌ به عن المستقلِّ الحرْ الطليق المسرَّح، ولكنَّنا نعرف أن شاعرنا كان ملتزماً ومنافحاً ضدّ الظلم والاستغلال وصاحب العقيدة أيضاً.
ألقى الشاعر وصفي قرنفلي عليّ بظلاله عشية عودتي إلى الجريدة التي أحبّ (الأسبوع الأدبيّ)، وانتابتني ثنائيات من مفارقات: (النص، الشخص)، (الكتاب، المكتب)، (القصيدة، المؤسّسة)، تمتزج همومها بحنين إلى الورق الذي يسكب عليه الكتّاب والأدباء نور عقولهم ورعشات وجدانهم، وإلى اللقاء الدائم بهم (اعتراني إحساس أن أقول "بكم" على الرغم من سياق النصّ),... هذا إلى رغبة في أداء أفضل جوهره الحيويّة والتجدّد، مجاراة لوردة الحياة التي لا تكفّ عن التفتح، وتوسُّماً لأفق واعد يرى ثراء الاختلاف وغنى التناقض الصاعد، ويتوخى (تابعاً) رياضياً للفعل الثقافي ينداح على (مجال تعريف) أوسع.
* *
حلمتُ بأنني عصفور ذهبيّ، وأنّ ملكاً شاباً طيّباً يشكو إليَّ سوراً ضخماً بناه أسلافه لتحصين بلده، ولكنهم بالغوا في إحكامه وإغلاقه حتى صار يصدّ الأعداء والأصدقاء، وبالغوا في إعلاء مداميكه حتى صار يحجب الشمس، ويمنع الهواء...
طلب إليّ ذلك الملك أن أعينه على خلخلة هذا السور الضخم.
قلت: نحن معشر العصافير الذهبية لا قبل لنا بهدم الحصون ونقض الأسوار، ثم ما الذي جعلك يا مولاي تختارني لمهمة كهذه لا تتناسب وحجمي الضئيل وقوتي المحدودة.. وعندك في المملكة رجال أشدّاء وآلات جبّارة؟
قال: أولئك الرجال بآلاتهم الجبارة صاروا جزءاً من ذلك السور، فهم بناته وسدنة استمراريته.
قلت: ولماذا لا يخطر في بالك أني قَدْ صرت واحداً منهم؟
قال: جناحاك اللذان يرفرفان في الأعالي، وحبك الحرية.
قلت: ولماذا لا تحافظ أنت على هذا السور كما فعل أسلافك؟
قال: دعني من أسلافي.

أنا ابن الناس، ولدت كما يولدون، وتعلّمت كما يتعلّمون، وعملت كما يعملون..
أريد أن أعيش كواحد منهم، وأريد أن أموت كواحدٍ منهم أيضاً.. ثم إن هذا السور يسجن ولا يحمي.
قلت: إذا كانت الأسوار لا تحمي، فبأي شيء يحتمي الناس؟ وكيف يمتنعون على عدّوهم؟
قال: الناس من الآن فصاعداً أقوياء بما لديهم من عصافير ذهبيّة، وأحرار بالقدر الذي ترفرف فيه هذه العصافير بأجنحتها عالياً وبعيداً.
دعوت معشر العصافير الذهبيّة إلى بساتين التين والرمان.. نقرنا الثمار الناضجة اللذيذة.. فاتّهمونا بأنا نلعب، ونتلف أكثر ممّا نأكل.
على حواف صخور السور الكبير وفي ملاط ما بينها حددنا مناقيرنا ونظفناها.. فاتهّمونا بالجشع، وصادونا بالبنادق.
بذور الثمار التي أودعناها بين صخور السور نبتت وصارت شجيرات صغيرة... فاتهمونا بأنا نزين جدار سجن كبير.
كبرت الأشجار، وتعملقت جذورها بين صخور السور، فباعدت ما بينها، وفتحت كوى للنور وللهواء.
المجد لجذور الحياة العميقة، تنذر بتداعي الأسوار جميعاً.
* *
في صورة الحلم أيضاً..
رامبو تحف به هالة من العصافير الذهبية، وهو يقرأ في قصيدته (المركب النشوان):
وقفت أمام أرخبيلات نجميّة سمواتها مفتوحة أمام المبحر
أفي مثل هذه الليالي التي لا قعر لـها تنامين منفيّة
يا مليون عصفور ذهبي يا قوة المستقبل؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://skikda.mountada.biz/
mohamed
مشرف منتدى الأدب العربي
مشرف منتدى الأدب العربي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 31
العمل/الترفيه : مرح
مدينتك : سكيكدة
نقاط التميز : 32
تاريخ التسجيل : 02/11/2008

مُساهمةموضوع: أوقفني الورق، وقال لي: ل عبد القادر الحصني   الثلاثاء ديسمبر 09, 2008 7:53 pm

مديح الاختلاف






قال الماديّ: ما مُدح الاختلاف بأفضل من قولهم: إنّ الحياة تقوم على جدل المتناقضات.
وقال اللغويّ: الاختلاف والإخلاف من جذر لغويّ واحد، والإخلاف الإنتاج، يقال في ولادة الحيوان وإفراع النبات وكلّ محصول.
وقال الفقيه: اختلاف الأئمة رحمة، لما يظهره اختلافهم من وجوه حق، توسِّع على المكلَّف.
وقال البيولوجي: ألّف العالم الفرنسي (ألبير جاكار) كتاباً بعنوان (مديح الاختلاف في الوراثيات والبشر)
وقال الصيدلاني: لا أدلّ على ضرورة الاختلاف من أن بعض السموم تصير أدوية.
وقال المبدع: يتمايز المبدعون بما يفترقون به بعضهم عن بعض لا بما هم متّفقون فيه وعليه.
وقال الموسيقي: لا موسيقى بلا (قرار) و(جواب)، وتعدّد طبقات الصوت من جماليات الغناء. ولولا انعطاف ملاء الخشب على فراغ الهواء لما صَوَّتُ عودٌ ولا حنّت ناي.
وقال ناقد الشعر: من أبرز جماليات النصّ تماوجه بين الغموض والوضوح، وتوازنه بين مثنوية الخفاء والتجلي.
وقال المعماري: إنّ جمال البناء متوقّف على تمايز كتله في حجومها وتباين أبعاده في ارتفاعها وامتدادها وبروزها.
وقال بريخت: أثير محدِّثي بما هو ليس من قناعاتي لتتسع دائرة الرؤية.

وقال الغزالي: يستفاد من العدوّ في تزكية النفس وإصلاحها فهو مرآة تريك ما لا تراه من نفسك..
وقال صاحب التعريفات: لولا الاختلاف لما لُحظ في الاشتراك المماثلة والمجانسة والمشابهة والمناسبة والمشاكلة والموازنة والمطابقة.
وقال الصوفيّ: "إما الفرقُ وإما التّيه"
* * *
وقال النفسانيّ: أن تدخل بيتاً، وتقف في صالونه، فتتفتّح أبواب خمس غرف من حوله، ليطلّ منها، خمسة رجال متشابهين تماماً في الطول والعرض والشكل والملامح، فهذا أمرٌ مرعب. هذا يعني أنك في شيء من (كافكا)..
هذا ليس حلماً، هذا كابوس.
* * *
وقال صاحب الحكاية:
كان الزوجان السعيدان يعيشان في ثبات ونبات، ويخلّفان صبياناً وبنات، حين قالت الزوجة الرافهة الوادعة الناعمة، فجأة، لزوجها الطيّب بعد عشر سنوات من زواجهما الهادئ المطمئن، بلا سابق إنذار ومن دون سبب واضح: أنا لا أطيق الحياة معك.. طلِّقني.
ارتْبك الزوج، ودارت به الأرض، وحدّق في وجه زوجته فلم ير ملامح جنون، بل رأى ملامح انزعاج عميق.
ـ ماذا جرى لك ياامرأة؟ ألسنا زوجين سعيدين؟
ـ بلى، ولكن هيا طلّقني... لابدّ من أن تفعل.. أنا لا أطيق العيش معك.
أمام إصرار الزوجة القاطع، لم يكن بدٌّ من أن ينطلق بها إلى المحكمة الشرعيّة، مرغماً على أبغض الحلال في أحبّ إنسانة إليه..
في الطريق إلى المحكمة شعر الرجل بأنه أتعس إنسان على وجه الأرض، وذهبت به الظنون كلّ مذهب.. غامت الدنيا في عينيه، وحطّت أغربة سود على نوافذ روحه المهجور، فاختلفت قدماه، فتعثّر، فسقط، فارتطم برصيف الشارع، فسال الدم من جبينه المجروح.

انحنت الزوجة بلهفة عليه، فأنهضته. مسحت الدم عن جبينه، وقدّت مزقة من ذيل ثوبها عصبت بها رأسه، بينما كانت حبّات من الدمع الحار تنهمر من عينيها، وحمامة ورديّة اللون تهدل في شفتيها: ما أروعك يا زوجي الطيّب! لنعد إلى البيت، فأنا لا أطلِّق زوجي الحبيب.
تعجّب الرجل، وحار في أمر ما جرى:
ـ بل لا أرجع حتى أفهم لمَ فعلت ذلك.
ـ فعلت ذلك لأن عشر سنين من حياتنا مرّت على منوال واحدة، لا فرق فيها بين يوم وآخر.. صباحاتها صباح واحد وظهيراتها ظهيرة واحدة ومساءاتها مساء واحد، حتى ضجرت وسئمت..
صحيح أنّ اليسر والغنى والأمان والصحة كانت تكتنف حياتنا في كلّّ أحوالنا، ولكن هذه نصف حياة: نسينا لذّة اللقاء لأننا لم نتباعد، ونعمة الرضى لأنّنا لم نتزاعل، وشوق الحصول على شيء لأن كلّّ شيء متاح.. ثم إنني كنت في شكٍّ من أنّك من الناس، فأنت على مدى عشر سنين لم تغضب، ولم تمرض، ولم تشِكُ، ولم تألم، أما الآن وقد غضبتَ، وحزنتَ، ووقعت وألمتَ، فأنت إنسانٌ ككل الناس، وحياتنا كحياة الناس جميعاً..
شعر الزوج بفرح غامر، وذاق لذّة لم يعرفها في ما مضى من حياته معها، وأسّر في نفسه أن يفعل بها ما فعلت به لو مرّت عشر سنين أخر كالتي مرّت بهما من قبل، ليذيقها ما أذاقته من لذة الاختلاف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://skikda.mountada.biz/
mohamed
مشرف منتدى الأدب العربي
مشرف منتدى الأدب العربي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 31
العمل/الترفيه : مرح
مدينتك : سكيكدة
نقاط التميز : 32
تاريخ التسجيل : 02/11/2008

مُساهمةموضوع: أوقفني الورق، وقال لي: ل عبد القادر الحصني   الثلاثاء ديسمبر 09, 2008 7:56 pm

في آخرية الآخر






ثلاثة لا يطيقون آخرية الآخر، ولا يحتملونها: البدائيُّ، والصوفيُّ، والطاغية.
البدائيُّ: لأنه لم يتعرَّف إلى هذه الآخرية، بالقدر الكافي، بعد، فهو قريب عهد بالموجودات في درجة وجودها الأدنى الأقرب إلى برهة اللاّتمايز.. ولّما كان هو في أرقى هذه الدرجات، وفي التميّز الأوضح بين هذه الموجودات فقد راح يستشعر في نفسه جماع الوجود.
على ذلك يخاطب البدائيُّ الغزالَ، بما تبقّى فيه من كونه غزالاً في طور من الأطوار، ويصغي لحفيف أوراق الشجر بعمق ذاكرة وجوده التي مازال يحضر فيها أفق النبات الذي عبره. إنه يخاطب ويصغي كما لو أنّه يخاطب نفسه ويصغي لـها.
ولعلّ لقاء أول إنسان بدائيّ بأول إنسان بدائيّ آخر كان حدثاً مدهشاً حقاً، إذ لابدّ أن كلاً منهما قَدْ رأى في صورة الآخر صورة لـه، كما لو كان ينظر إلى الماء، ولكن هذه المرة في الأثير.. وحتى بعد أن أدرك أن الآخر ليس مجرد صورة لـه، وإنما هو موجود متحيِّز على شاكلته، فقد مضى ردح طويل من الزمن كان يعبّر فيه عن الآخر بهذا الأنا... ذات منداحة على نحو غامر، يربكها أن يلوح على شواطئها أيُّ لائح يشي بمثنوية الذات والموضوع.
أما الصوفيُّ: فإنه يحمل من البدائيّ آثاراً لا تخفى: إنه يؤمن بحنين الموجودات إلى أصولها، بل قل: إلى أصلها، وينفي الكثرة لمصلحة الوحدة "أن ترى الأشياء شيئاً واحداً"، ويحمل من لغز (عشتار) مخاطبة المطلق مؤنثاً، كما لدى ابن الفارض في (التائيّة الكبرى)، وابن عربي في شرحه التأويليّ لترجمان الأشواق..
والصوفي، أيضاً، يقدّم الرؤيا على الرؤية، والقلب على العقل، والكشف على المحاكمة الفكريّة، والعرفان على البرهان.. كما أنه يؤنسن الأشياء، ويتماهى بها ومعها، فقد عشق ابن الفارض برنيّةً في دكان عطّار، ورأى ابن عربي في ميزاب من الميازيب أحد شيوخه فتتلمذ عليه..
والصوفيّ يقول بما فيه شبهة الحلول والاتحاد، ويصرِّح بوحدة الوجود ووحدة الشهود، ولكنه يزيد على البدائي في تأمله العميق في المآل، وإحساسه المهجوس بالمطلق، وشعوره بالوحشة إزاء المثنويات، وعبوره من الوجود إلى الوجدان ثم إلى مكابدة الوجد الذي أرهف روحه المعتلّ بالغربة في زمن نفسي يتماوج بين الأبد والأزل، وفي مكان يذهب بدائرة المتحيِّز إلى أرض الخيال، كما (أرض السمسمة) لدى عبد الكريم الجيلي.
تكاثرت مطلقات الوجود على الصوفيّ: من مطلق الزمان ومطلق المكان إلى مطلق المطلقات، فكان لابدّ لـه من ذات تبحث عن مطلقها في أبعاد الوجود المنداحة... تبحث بما فيها من رهافة واعتلال وغربة وشوق، فكان الحبّ سبيلها إلى ذلك. الحب الذي ينقل الذات من وحدتها العزليّة
(
Loneliness) إلى وحدتها الاستغراقية (Oneness)، ويرفع المثنويات بمصالحة المتناقضات ويعطف الأشياء على بعضها بعضاً عطفاً يسلس الجلال للجمال، ويأخذ الضجيج إلى الموسيقا، ويخفف من غلواء العلم بالفنّ.

في هذا الإطار من الرؤيا تخرج آخرية الآخر من اختلاطها الغشيم بالذات، كما لدى البدائي، وتصبح طريقاً إلى الأنس والعشق والفلسفة والفن ومعانقة المطلق... تصبح آخرية الآخر عتبة مقدّسة باباً للحبّ، وبوابة للحرية.. في علاقة متعدّية وتبادلية فالصوفيّ يطمح إلى أن تكون آخريته بالنسبة إليك كآخريتك بالنسبة إليه، فكلاكما يحرّر الآخر..
* * *
أما الطاغية: فإنه لا يحتمل آخرية الآخر لأسباب عميقة مباينة أخرى، أوجزها بضمور أبعاده الوجودية، وخواء رؤيته الإنسانية.
فزمان الطاغية هو الحاضر فقط... حاضر لا يتحدّر من ماض لأنّ ماضي أسلافه الطغاة بُرةٌ متخثِّرة في التاريخ، تفتقر إلى السيولة التي تمدّه بأسباب وجوده، وهو لا مستقبل لـه لأنّ مغادرة الحاضر ترعبه، فعلاقته بالمستقبل علاقة استيلاء على أقربه إلى حاضره بغية تخثيره، بينما واضح في سيرورة الحاضر إلى المستقبل، بوصفه تاريخاً قادماً، أنه لا يستضيف الاستيلاء، بل يستضيف الاستيلاد..
والطاغية ابن نفسه وأبو نفسه. ذاته مركوسة في ذاته، ويحلم بأنه لا يحلم: يعلّق عمته من أرجلها في سقف حتى تخرج أمعاؤها من فمها من أجل المال، ويقتل أولاده وأخوته من أجل السلطان، وهو لا زوجة لـه، لأنّ ما من امرأة تستطيع أن تجعل منه زوجاً.. إنه فرد، فحسب..
والطاغية ضمير متكلّم لا مخاطب لـه، يغوص في أناه، ويبتعد حتى يصير (هو) غائباً ومشاراً إليه ومكّنى عنه، ولا يقبل أن يسمّى أحد باسمه، فعبد الحميد هو السلطان عبد الحميد فقط.. يبني أبنية لا يجرؤ على دخولها، وبيوتاً يحار في أيّها ينام، ويشقّ شوارع لا يحلم بأن يمشي فيها يوماً.. فقد يصادف آخرين.
ذات الطاغية سجن ضيّق هو مسجونه الأكبر المؤبّد، أمّا مسجونوه فمسجونون بالتبعيّة العارضة لبرهته المتخثّرة، وأحرار بالعلاقة الحقيقية بين ذواتهم والوجود..
* *
طوبى للبدائي: واقعه مثل حلم، وحلمه مثل واقع.. الأثير مرآته والوجود صوره التي لا تنضب، أغمض عينيك أمامه فيشعر برغبة في النوم، وافتح فمك أمامه فيهمّ بالكلام، واصغ لـه فلا ينطق بشيء بل يصغي معك لصمت كليكما المعبَّر عنه بأصوات الحياة كلها.
طوبى للصوفي: اكتشف قيود الوجود، فحاور المطلق بالانفتاح على آخرية الآخر، وخطب الحرية فكان الصداق غالياً، اسألوا الحلاج..

أما الطاغية فله جحيم ذاته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://skikda.mountada.biz/
mohamed
مشرف منتدى الأدب العربي
مشرف منتدى الأدب العربي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 31
العمل/الترفيه : مرح
مدينتك : سكيكدة
نقاط التميز : 32
تاريخ التسجيل : 02/11/2008

مُساهمةموضوع: أوقفني الورق، وقال لي: ل عبد القادر الحصني   الثلاثاء ديسمبر 09, 2008 7:59 pm

الحوار (1)






في البدء كان الصمت، وكان مصمتاً صمداً كتلةً صمّاء لا جوف لـها.
ضاق الصمت بذاته، فتشقّق، وتجوّف، ثم حنا ملاؤه على فراغه، فذاقت الذات طعم أن تكون نفساً، فتنهّدت (النفْسُ والنفَسُ من جذر لغوي واحد)، فكانت الموسيقا.
استفاضت الموسيقا، وانداحت، فتشوّقت إلى نقيضها، عنيتُ: التحديد، فأوجزت نفسها بالحروف الهاوية (أحرف العلة) توطئة للتعبير باللغة، فكانت أول ما كانت غناءً وشعراً.
زوّجت اللغة أنوثتها من ذكورة الكلام، لتعبر من البكارة إلى الابتكار، ومن آن الخلق إلى آنية الولادة، فولدت مفردات القول، التي تجمّلت في جُمل، قالت قولاً كثيراً، ثم حار القول إلى نفسه (أي: رجع) فوجد أنه مركوس في الأحادية، ما لم يُصغ، فكان الحوار.
الحوار ذروة الكلام والكمال والكَلْم (الجَرْح = التأثير): تقليبٌ للكاف واللام والميم، يضمر الاشتراك في المعنى، كما في معجم (مقاييس اللغة). على أن الحوار لابدّ من أن يستخلص مآلات اجتماعية ووجودية، يكمن في جوهرها أسى وحنين عميقان، يولّدهما ما تنطوي عليه المثنوية من جدل يعطف المتناقضات على بعضها بعضاً، ويدعو ثانيةً إلى الغناء والشعر.. ولكن الغناء هذه المرّة مُشربٌ بالوعي، ومرفوع من سواء الوجود بالقوة إلى سواء الوجود بالفعل، أو قل: من المفعوليّة إلى الفاعليّة... إنه غناء النفس في حركة دائبة بين كونها ذاتاً وصيرورتها موضوعاً... غناء خازنٌ لطاقات الإيحاء والإيماء والتلويح والإشارة، وملوّنٌ برحلة النفس في مراتب الوجود: من أفق الجماد إلى أفق النبات، ومن أفق النبات إلى أفق الحيوان، فالإنسان (أجمل ذلك ابن عربي في الفتوحات، وفصّله الجيلي في رسالة مراتب الوجود).. غناءٌ يفضي، ثانيةً، إلى موسيقا تحتقب ما سبق من حلقات البوح والتعبير..
إذ الموسيقا، في طور ما بعد الحوار، هي موسيقا مفكّرة، انحلَّ في (مغلف تابعها) الرياضي (مدروجات) من (توابع) الفكر بوصفه اجتماعاً وفلسفة وتاريخاً.. انحل فيها دورات حضارية، أخذت (مقطوعة نينوى) ـ أقدم ما وصلنا من موسيقا ـ من تصويتها الأحادي المتكرّر إلى متاخمة الكلام، كما في (السمفونية الخامسة) لبتهوفن وفي أعمال فردرك شوبان، وإلى الموقف الاجتماعي الوجودي في موسيقا (البيتلز) منذ ستينيات القرن الماضي.
الموسيقا كحلقة متقدّمة في هذه السلسلة، تبدي رغبة جامحة في أن تستوعب من مكنونات الحلقات السابقة، في موسيقيتها، موسيقا تتكلم وموسيقا تحاور وموسيقا تغني وموسيقا تفضي إلى موقف اجتماعي وفكري وسياسي، منحّية التطريب وضجيجه لمصلحة البوح الموسيقي الذي يستضيف قدراً لا بأس به من الصمت في أثنائه... ولسوف تشفُّ الموسيقا، وتأسى، وتعبر بأبسط الأصوات وأقلها، آخذة هذه السلسلة من حلقات التعبير إلى الصمت.. الصمت ثانية.. الذي يختم دائرة هذه السلسلة.
الصمت الجديد الذي سيكون: هل سيكون ممتلئاً ومكتنزاً بذاته أم سيحول إلى صمت متشظ ومتناثر وآخذ في التمدّد ثلاثي الأبعاد على غرار ما ترى إحدى النظريات في تمدّد الكون؟
إنه صمت على أية حال...
* *
ما كنت أحسب أن التقديم سيستغرق كلّّ هذا الكلام الذي لا أريد منه أكثر من ضبط سلسلة من سلاسل تجليات الوجود، وفق رؤية تحاول أن تقبض على البرهة الذروة في هذه السلسلة.
سلسلة من:
الصمت ـ الموسيقا ـ اللغة ـ الشعر ـ الكلام ـ الحوار ـ الإصغاء (بوصفه كلام الآخر) ـ الشعر ـ اللغة (في عذرية جديدة) ـ الموسيقا ـ الصمت.

في هذه السلسلة تتناظر ثنائيات متقابلة، يتوسطها الحوار، ولما كانت السلسلة دائريّة، فإن (الحوار) يصبح واسطة عقد.
الحوار هو ذروة هذه السلسلة إذا كانت خطيّة، وعقدتها إذا كانت دائرية، وبؤرة مولّدة لتوترها ما إذا كانت غير منسلكة في منظومة تسلسل، ذلك لأنه حاضر في كلّّ أحاديّة من أحاديّات التناظر حضوراً يبثّ القلق في سكونها، ويدفعها إلى طورها الآخر في الأحاديّ المناظر.. أو في التشكيل غير المنتظم المشدود إلى بعضه بعضاً بقوى توتر عناصره.
والحوار جوهر الحرية العامل على إزاحة الأشياء من تخثرها المستتب إلى سيولتها المتجدّدة.. هو محط النفي والإثبات والوجود والعدم.. يدخل الكائنات في جدل يظهر اصطراع المتعيّنات على حدودها، ويضمر شوقها إلى المطلق.













الحوار (2)



الوجود بأبعاده الثلاثة: المكان والزمان والإنسان، في حوار أبدي.
يجري هذا الحوار في إطار البعد الواحد: المكان مع المكان، والزمان مع الزمان، والإنسان مع الإنسان. ويجري في العلاقة بين كلّّ ثنائية من ثنائيات هذه الأبعاد الثلاثة: المكان مع الزمان، والمكان مع الإنسان، والزمان مع الإنسان. ثم هو في جريان دائم وسريان دائب من حوار مركّب بين هذه الأبعاد.
يتجلَّى حوار أبعاد الوجود في العلاقات بين مفرداتها تجلّياً واضحاً: الجبل مع السهل، والنهر مع البحر، والليل مع النهار، والصيف مع الشتاء، والطفولة مع الشباب، والقمر مع البحر الخ... فينشأ من هذا الحوار السفح والبرزخ والربيع والخريف والكهولة والمدّ والجزر الخ....
وأيَّاً ما كان التبسيط فلابدّ من تمثل المكان بأبعاده الفراغيّة، والزمان بأجزائه الفرضية الثلاثة أيضاً، والإنسان جسداً وعقلاً وقلباً وروحاً، ثم لابدّ من تمثّل المفردات اللانهائية التي ينطوي عليها كلّّ بعد من هذه الأبعاد، لنرى بعد ذلك أيّ حوار شامل فاتن مفتوح هذا الذي تتعالى (سمفونيته)، وتتمازج أصباغه ولويناته في كائنات لا تنتهي.
في قمة هذا الحوار يأتي الإنسان تتويجاً لمجمل الحوارات الوجوديّة في ظاهرة من أرقى ظواهرها. عنيت: منذ مليون ونصف مليون من السنين:
(
Homonids) في أنموذجية الأقدم (Australopithecus
) والأحدث
(
Homocrectus) الذي من أصنافه إنسان نياندرثال المندمج بالنوع الإنساني
(
Homosapiens) الذي يعتبر الإنسان الحالي من سلالته، وتقدّر أبعد بداية لـه بـ 350 ألف سنة، المتمدّن، في أوّل تمدّن لـه، بأريحا فلسطين منذ عشرة آلاف سنة.
مع سيادة الإنسان على كوكب الأرض عَبَر حوارُ الوجود منعطفاً كبيراً، أفضى إلى عالم راح يراكم خبراته الحوارية مع أبعاد الوجود الأخرى في حضارات، تتساوق فيها المدينة مع الثقافة.. حضارات جعلت الإنسان محور الحوار وناظم التطوّر، فانداحت أسئلته في ثلاث دوائر حوار كبيرة: دائرة تحاور الطبيعة وما فيها من مملكتي النبات والحيوان، ودائرة تحاور الكون، ودائرة الحوار الإنساني، وقد حافظت دوائر الحوار هذه على تقاطعات بينها، أتاحت دائماً لمساحة مشتركة منها أن تكون بوتقة لحوار كلّي وشامل، تدّعي كليّة القدرة وكليّة التعبير عن قلب الحراك الوجودي بآفاقه المتعدّدة: الطبيعي والكوني الإنساني.
في هذا الطور من الحضارات كانت الشمس والقمر والملك والمرأة والإله والنهر والبقرة والجعران والحيّة والكاهن والنار الخ.. كائنات متداخلة يجسّد بعضها بعضاً على الرغم من انتمائها إلى دوائر حوار وجودية متعدّدة. وقد استمرّ هذا التداخل بضعة آلاف من السنين إلى أن أخذت دوائر الحوار المذكورة بالانفكاك والتباعد والتنابذ مع ظهور الثورة الصناعية في أوروبا وميلاد العصر الجديد.
مثالب كبيرة يمكن أن توصم بها تلك العصور، غير أن نظرة إلى طبيعة الحوار في الدوائر سالفة الذكر لابدّ أن تستشف أموراً أبرزها:
ـ أن حوار الإنسان مع الطبيعة كان خلواً من نزعة التحدّي والقهر، ومهموماً بالاستئناس والاستكشاف والانتفاع في حدود الكفاية والكفاف.
ـ وأن حوار الإنسان مع الكون كان حواراً تأملياً، يفضي إلى ضرورة تطامن المحدود للمطلق، ويولج الفنون الجميلة في المقدّس.
ـ وأن حوار الإنسان مع الإنسان كان سافراً وواضحاً، حتى في أفظع أشكاله، يتشقّق ظلامه وظُلْمه عن التنوير والحرية..
ـ وأن الحوار الإنساني الطبيعي الكوني كان يفرز قيماً، تعمل على بث المعنوي في المادي، وتشكم غلواء التملك والمصلحة والانتفاع.
ترى هل كان الظلام الحقيقي رحماً حقيقية لبذور النور؟ وهل تقاطع دوائر الحوار كان في مصلحة إنسانية الإنسان؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://skikda.mountada.biz/
 
أوقفني الورق، وقال لي: ل عبد القادر الحصني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات سكيكدة (منتدى سكيكدة الأول )  :: منتدى الأدب العربي :: قسم الشعر-
انتقل الى: